محمد بن جرير الطبري
116
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الفوج المقتحم على الطاغين ، وهم كانوا أتباع الطاغين في الدنيا ، يقول جل ثناؤه : وقال الأتباع : رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا يعنون : من قدم لهم في الدنيا بدعائهم إلى العمل الذي يوجب لهم النار التي ورودها ، وسكنى المنزل الذي سكنوه منها . ويعنون بقولهم هذا العذاب الذي وردناه فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ يقولون : فأضعف له العذاب في النار على العذاب الذي هو فيه فيها ، وهذا أيضا من دعاء الأتباع للمتبوعين . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ يقول تعالى ذكره : قال الطاغون الذين وصف جل ثناؤه صفتهم في هذه الآيات ، وهم فيما ذكر أبو جهل والوليد بن المغيرة وذووهما : ما لَنا لا نَرى رِجالًا يقول : ما بالنا لا نرى معنا في النار رجالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ يقول : كنا نعدهم في الدنيا من أشرارنا ، وعنوا بذلك فيما ذكر صهيبا وخبابا وبلالا وسلمان . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن ليث ، عن مجاهد ، في قوله : ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ قال : ذاك أبو جهل بن هشام والوليد بن المغيرة ، وذكر أناسا صهيبا وعمارا وخبابا ، كنا نعدهم من الأشرار في الدنيا . حدثنا أبو السائب ، قال : ثنا ابن إدريس ، قال : سمعت ليثا يذكر عن مجاهد في قوله : وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ قال : قالوا : أين سلمان ؟ أين خباب ؟ أين بلال ؟ . وقوله : أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا اختلفت القراء في قراءته ، فقرأته عامة قراء المدينة والشام وبعض قراء الكوفة : أَتَّخَذْناهُمْ بفتح الألف من اتخذناهم ، وقطعها على وجه الاستفهام ، وقرأته عامة قراء الكوفة والبصرة ، وبعض قراء مكة بوصل الألف من الأشرار : " اتخذناهم " . وقد بينا فيما مضى قبل ، أن كل استفهام كان بمعنى التعجب والتوبيخ ، فإن العرب تستفهم فيه أحيانا ، وتخرجه على وجه الخبر أحيانا . وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأه بالوصل على غير وجه الاستفهام ، لتقدم الاستفهام قبل ذلك في قوله : ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا فيصير قوله : " اتخذناهم " بالخبر أولى وإن كان للاستفهام وجه مفهوم لما وصفت قبل من أنه بمعنى التعجب . وإذ كان الصواب من القراءة في ذلك ما اخترنا لما وصفنا ، فمعنى الكلام : وقال الطاغون : ما لنا لا نرى سلمان وبلالا وخبابا الذين كنا نعدهم في الدنيا أشرارا ، اتخذناهم فيها سخريا نهزأ بهم فيها معنا اليوم في النار ؟ . وكان بعض أهل العلم بالعربية من أهل البصرة يقول : من كسر السين من السخري ، فإنه يريد به الهزء ، يريد يسخر به ، ومن ضمها فإنه يجعله من السخرة ، يستسخرونهم : يستذلونهم ، أزاغت عنهم أبصارنا وهم معنا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن ليث ، عن مجاهد أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ يقول : أهم في النار لا نعرف مكانهم ؟ . وحدثت عن المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك قالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ قال : هم قوم كانوا يسخرون من محمد وأصحابه ، فانطلق به وبأصحابه إلى الجنة وذهب بهم إلى النار ف قالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ يقولون : أزاغت أبصارنا عنهم فلا ندري أين هم ؟ . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا قال : أخطأناهم أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ ولا نراهم ؟ . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ